|
أغراض الشعر الجاهلي : ((3))
[align=center]
أغراض الشعر الجاهلي هي الموضوعات التي نظم فيها شعراء الجاهلية شعرهم؛ فإذا كان قصد الشاعر وغرضه من الشعر الاعتزاز بنفسه أو قبيلته فشعره فخر، وإذا كان قصد الشاعر التعبير عن الإعجاب بشخص ما في كرمه أو شجاعته أو غير ذلك فشعره مدح، وإذا كان قصده وغرضه النيل من شخص ما وتحقيره فذلك الهجاء، وإذا كان الشاعر يهدف إلى إظهار الحزن والأسى فذلك الرثاء، وإذا حَلَّقَ الشاعر في الخيال فرسم صوراً بديعة فذلك الوصف، وإذا عَبَّر عن حديثه مع النساء فذلك الشعر هو الغزل، وإذا استعطف بشعره أميراً أو غيره فهو الاعتذار، وإذا نظر في الكون وحياة الناس فتلك الحكمة.
وأغراض الشعر الجاهلي التي نريد بسط القول فيها هي: المدح، الجاء، الرثاء، الفخر، الوصف، الغزل، الاعتذار، الحكمة، مع أن القصيدة العربية الواحدة تشمل عدداً من الأغراض؛ فهي تبدأ بالغزل ثم يصف الشاعر الصحراء التي قطعها ويتبع ذلك بوصف ناقته، ثم يشرع في الغرض الذي أنشأ القصيدة من أجله من فخر أو حماسة أو مدح أو رثاء أو اعتذار، ويأتي بالحكمة في ثنايا شعره فهو لا يخصص لها جزءاً من القصيدة.
ومن أهم أغراض الشعر الجاهلي المدح فلنبدأ به:
المـدح :
يعتبر غرض المدح من أهم الأغراض التي قال فيها شعراء الجاهلية شعرهم؛ ذلك أن الإعجاب بالممدوح والرغبة في العطاء تدفعان الشاعر إلى إتقان هذا الفن من القول، فيسعى الشاعر إلى قول الشعر الجيد الذي يتضمن الشكر والثناء، وقد يكون المديح وسيلة للكسب. والصفات التي يُمْدَحُ بها الممدوح هي: الكرم والشجاعة ومساعدة المحتاج والعفو عند المقدرة وحماية الجار، ومعظم شعراء الجاهلية قالوا شعراً في هذا الغرض، فهم يمدحون ملوك المناذرة في الحيرة أو ملوك الغساسنة بالشام ويأخذون عطاءهم وجوائزهم. وكانت صلة طرفة بن العبد والمتلمس والنابغة الذبياني وثيقة بملوك الحيرة، وصلة النابغة بالنعمان بن المنذر أقوى من غيره من الشعراء وهذا يدل على أن قوة الشاعر في الجاهلية مرتبطة بتقدمه في هذا الغرض الذي هو غرض المدح، ولا يقل بلاط الغساسنة عن بلاط المناذرة في استقبال الشعراء فهم (أي الغساسنة) يغدقون المال الوفير على من يمدحهم من الشعراء، ومن أشهر الشعراء الذين يفدون على ملوك غسان حسان رضي الله عنه. ومن فحول الشعراء من جعل غُرَّ قصائده في رؤساء قومه كما فعل زهير بن أبي سلمى.
وإذا رجعنا إلى دواوين الشعر الجاهلي وجدنا المدح يحتل نسبة عالية من هذه الدواوين، وهذا دليل على أنه الغرض المقدم على غيره عند الشعراء.
الهجـاء:
سبيل الشاعر إلى غرض الهجاء وهدفه منه: تجريد المهجو من المُثًل العليا التي تتحلى بها القبيلة، فيجرد المهجو من الشجاعة فيجعله جباناً، ومن الكرم فيصفه بالبخل، ويلحق به كل صفة ذميمة من غدر وقعود عن الأخذ بالثأر بل إن الشاعر يسعى إلى أن يكون مهجوه ذليلاً بسبب هجائه، ويؤثر الهجاء في الأشخاص وفي القبائل على حد سواء فقبيلة باهلة ليست أقل من غيرها في الجاهلية ولكن الهجاء الذي تناقله الناس فيها كان له أثر عظيم وهذا هو السر الذي يجعل كرام القوم يخافون من الهجاء ويدفعون الأموال الطائلة للشعراء اتقاء لشرهم.
وممن خاف من الهجاء الحارث بن ورقاء الأسدي؛ فقد أخذ إبلاً لزهير ابن أبي سلمى الشاعر المشهور، وأسر راعي الإبل أيضاً فقال فيه زهير أبياتاً منها:
لَيَأتِيَنّـكَ منِّي مَنْـطِقٌ قَـذعٌ
باقٍ كما دَنَّسَ القَبْـطِيَّة الوَدكُ
فاردُدْ يَسَاراً ولا تَعْنُفْ عَلَيْهِ وَلاَ
تَمْعَكْ بِعِرْضِكَ إن الغَادِرَ المعِكُ
فلما سمع الحارث بن ورقاء الأبيات رد على زهير ما أخذ منه.
الرثــاء:
هو إظهار الحزن والأسى والحرقة، وتبرز جودة الرثاء إِذا كان في ابن أو أخ أو أب؛ فرثاء دريد بن الصمة لأخيه عبد الله من أجود الرثاء، ورثاء الخنساء يعتبر من الرثاء المؤثر في النفوس، وكانت تشهد عكاظاً وتدور في السوق وهي
في هودج على جمل وقد وضعت علامة على هودجها ثم تقوم بإنشاد الشعر فتؤثر في من تمر به.
وقد تكون اللوعة بادية في الرثاء وإن لم يكن في قريب نجد ذلك في رثاء أوس بن حَجَر لفَضَالَة بن كَلَدة حيث يقول:
أَيَّتُهَا النّفْسُ أَجْمـِلِي جَزَعـَا
إنّ الذي تَحْذَرين قد وَقَـعا
إنَّ الذي جَمَّعَ السَّمَاحةَ والنَّـ
ـجْدَةَ والحَزْمَ والقُوَى جُمَعَا
الألْمَعِيَّ الذي يَظُنُّ لَكَ الظّـ
ـنَّ كان قَدْ رَأى وَقدْ سَمِعَا
ومن خلال تتبعنا لأبيات هذه القصيدة يتبين لنا أن الرثاء مدح للميت ونشر لفضائله؛ فأوس ذكر في أبياته أن فضالة يتصف بالسماحة والنجدة والحزم والذكاء والتدبير الحسن، وهذه من الصفات التي يمدح بها فضالة عندما كان حياً فالرثاء في الجاهلية تذكير للناس بما كان يتصف به ذلك الرجل الذي اختطفته يد المنون.
الفخر والحماسـة:
الفخر هو الاعتزار بالفضائل الحميدة التي يتحلى بها الشاعر أو تتحلى بها قبيلته، والصفات التي يفتخر بها الشعراء هي الشجاعة والكرم والنجدة ومساعدة المحتاج، والفخر يشمل جميع الفضائل. أما الحماسة فهي الافتخار بخوض المعارك والانتصارات في الحروب، فالحماسة تدخل في الفخر ولكن ليس كل فخر حماسة، فنجد الحماسة في أشعار عنترة العبسي وعمرو ابن كلثوم، ومعلقة عمرو تفيض بالحماسة ومن ذلك قوله:
متى نَنْقُلْ إلى قوم رحـانا
يكونوا في اللقاء لها طَـحينا
يكونُ ثِفالُهَا شَرْقِيَّ نَجْـد
وَلَهْوَتُها قُضَاعَة أَجْمَعِينَا
وأبيات ربيعة بن مقروم التالية تعرض علينا جوانب الفخر المتعددة حيث يقول:
وإِن تـسأَليـني فإني امر
أُهين اللئيم وأَحْبو الكريـما
وأبني المعـاليَ بالمـكرما
تِ وأُرْضِى الخليلَ وأروى النَّديمَا
وَيَحْمَدُ بـذلي له مُعْتَـفٍ
إذَا ذَمَّ من يَعْتفيـه اللِّئيمـَا
وأجزي القرُوض وفاءً بِهَا
بِبُؤْسَى بئيسىَ ونُعـمى نَعيمَا
وقومي فإن أنت كَذَّبْتـني
بقوليَ فاسـألْ بقـومي عَليـمَا
أليسُوا الذيـن إذا أزْمـَةٌ
ألحَّتْ على الناس تُنْسِي الحُـلومَا
يُهينُون في الـحق أموالَهُـم
إذَا الَّلزَبَاتُ التَحَيْنَ المُسيمـا
طِوَالُ الرِّماحِ غَدَاة الصَّباحِ
ذَوُو نَجْدَةٍ يَمْنَعُونَ الحريمـا
بَنُو الحَرْبِ يوماً إذَا اسْتَلامُوا
حَسِبْتَهُمُ في الحدِيدِ القُرُومـ
فقد جمع ربيعة في هذه الأبيات معظم الصفات التي يفخر بها الشعراء؛ من بناء المعالي عن طريق الكرم والبذل لمن يستحق العطاء، ومن الوفاء بالحقوق، ومن الانتساب إلى قوم كرام يهينون أموالهم في سبيل المجد، ولم ينص الحماسة بل جعل لها نصيباً من فخره فقومه بنو الحرب يعرفونها جيداً ويلبسون السلاح الملائم لها.
[/align]
|