عرض مشاركة واحدة
قديم 22-06-2009, 12:03 AM   #2
محمد السالم
(*( مشرف )*)


الصورة الرمزية محمد السالم
محمد السالم غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1514
 تاريخ التسجيل :  Feb 2007
 أخر زيارة : 15-12-2014 (10:27 PM)
 المشاركات : 1,997 [ + ]
 زيارات الملف الشخصي : 12827
لوني المفضل : Black


نهضت وذهبت إلى عربة الكتب والصحف التي بمحاذاة بوابة الدخول لمحتها وأنا أدخل الطائرة . تحدثت مع شاب تركي يتصفح الجرايد . أحسسني الحديث معه بالفارق الشاسع بين الحديثين. الكهل المراهق والشاب الواعي . أحسسنا بعدم توازن في الطائرة فطلب منا القائد العودة إلى مقاعدنا وربط الأحزمة فنحن نمر بشحنات هوائية .

رجعت سريعا إلى مقعدني مثل من كانوا مثلي . وما ان جلست وربطت الحزام حتى لمحت عيني على طاولة صاحبي علبة هنكن .

أحسست بأنقباض أشد مما مضى . تناول كوبا من البلاستيك ودلق به بعض مافي العلبة وقدمه لي . فقلت بصوت حازم أنني لا أشرب المحرمات وخصوصا وأنا بين السماء والأرض .

فأطلق ضحكة مدوّية ربما أنها أزعجت ركاب الدرجة الأولى وأنا يحلولي ذلك .

بدأت أرفع صوتي بالتهليل لأحساسي بالخوف مما نحن فيه الطائرة غير مستقرة وصاحبنا يوزع الهنكن بالمجان .

حقدت على المرأة النيوزيلندية . هدأت الطائرة وسرّحنا الأحزمة . وقمت بجولة في الطائرة . لعلي ألتقي بالشاب التركي أو أحد نحوه . ولكن لا حراك الركاب مابين نائم ومتابع لفلم رعاة البقر الذي تعرضه شاشة الدرجة الثانية .

ما أن رجعت لمقعدي إلا وقد أصبح أمام صاحبي أربع علب من نفس العلبة السابقة .

دارت عربة السوق الحرّة بين الركاب . ونهض صاحبي وأتى يحمل زجاجة من الوسكي المعتق على حسب قوله . ابتاعها بمئات الدولارات .

وتحدث لي عنها : في السوق الحرّة نجدها نقيّة بالفعل أما في المدينة وفي الفنادق فأنها مغشوشة . وهم من المطار يسمحوا لنا بتمرير واحدة او أثنتان في بعض الأحيان ويدفعوننا عليها ضريبة . تشاغلت عنه بقراءة خبر في احدى الصحف التي جلبتها من العربة المركونة بجانب المدخل .

مفاده :ستنتعش السياحة البينية في الدول العربية بعد انتشار انفلونزا الخنازير في الدول الغربية بشكل مخيف . وفي الصفحة المقابلة انفلونزا الخنازير تغزو العالم العربي بعد الاعلان عن 42 حالة في اليومين السابقين في بعض الدول العربية .

أخذت سدادة العيون التي يوفرها الطيران للمسافرين إذا رغبوا في النوم .

وليس رغبة بالنوم فحسب بلّ لعلها تجدي نفعا في التشبيه على هذا الشيخ المراهق بأني نائم .

كأنها أخذتني سِنة وأنا اتظاهر في الأساس . حتى رفع صاحبي عقيرته بالغناء .

بألوان شتى شيء من التراث وآخر من الحديث وعرّج على الأغاني الوطنيّة لبلده وبدأ يتغنا بمجد بلده وعظمتها وبعض الأحيان يسرد أشعار بين الفصيح وبين الشعبي . علمت معها بأن الرجل قد دخل في عالم خارج نطاق علبتنا الطائرة .

قام بشتم الأحياء والأموات .وأنا على حالتي متظاهر بأني نائم اريد النظر إلى ساعتي لعل المسافة اقتربت ولكني أخشى أن يرى مني حركة ثم يدخلني في جوّه .

استدعى أحدى المضيفات بعد أن لكزني بكوعة لا أعلم هل عن قصد أو بدون قصد .

طلب منها كأس وثلج . اعتذرت المضيفة بلباقة .

فمد يده إلى صدرها الذي يبدو منه أكثر مما حجب وكاد أن يتلمسه أو أنه بالأحرى تلمسه .

فصرخت المرأة وتراجعت في الممر الذي بين المقاعد . نهض في أثرها وتكوّم في الممر وهو يلعن ويشتم ولا أعلم هل يشتم المضيفة أو يشتم نفسه . يثرثر بشتائم لم يتضح لها مغزى .

نهض ورجع لمقعده وهو ينظر إلي ويقول هؤلاء بنات (...) ثم تناول احدى العلب وأجهز عليها بنفس واحد .

رجعت لنا المضيفة بصحبة اثنين من المضيفين وأشتد الكلام بينهم فحاول صاحبنا لطم أحدهما . فصده الرجل . وكاد أن يضربه لولا أني قفزت ومنعته وكذلك منعه صاحبه من ضربه . وقلت الأجدر بك ان تقدر حالة هذا الكائن فأنتم من سهل له أن يصل إلى هذه الحالة . قال لي أقنع صاحبك أو صده عن مايفعل داخل الطائرة وليس هو أول من يشرب فالنصف من الركاب شربوا ولم يفعلوا مثله.

:بعدالوصول لنا معه حساب . قلت لا يعنينني حسابكم معه ثم أنه ليس بصاحبي بل عميلكم وأنتم من نقله ومسؤولون عنه .

لخوفي على الرحلة وليس خوف على الكهل المراهق . أقنعته أن يربط الحزام لأننا قد اقترب لنا الوصول ويجب علينا الجلوس في مقاعدنا . امتثل للأمر ولا اعلم كيف أمتثل وهو بهذه الحالة المزرية حقا .

بعد ساعة والطائرة تسلك الهبوط تدريجيا الضغط يهبط من رؤوسنا مما حدى بالكثرين وأنا أحدهم بوضع أصابعنا في أذاننا .

ما أن هبطت الطائرة حتى طلب القائد من كافة الركاب عدم مقادرة المقاعد .

ساد الوجوم في داخل الطائرة للطلب الغريب ولم يسبق لي على كثرة أسفاري أن سمعت بمثل ذلك . ولم يقطع ذلك الوجوم إلا صوت أستفراغ صاحبي مافي معدته وشتايمه المتكررة التي حتى أنا لم أسلم منها .

ماهي إلا دقايق خمس حتى فتحت بوابة الطائرة ودخل منها خمسة رجال من الشرط . دلّهم أحد المضيفين إلى مقاعدنا .

تقدموا منا وأخذوا أوراقنا الثبوتية ثم اقتادونا إلى بوابة الطائرة وأنا أحاول أفهامهم أني ليس لي ناقة ولا جمل ولا حتى دجاجة في صحبة هذا الكائن . ولكنهم طلبوا مني الصمت بحزم .

جلت ببصري في المقاعد ووقعت عيني على المرأة النيوزيلندية فشتمتها في نفسي .

وخشيت أن يراني الشاب التركي فيتحاقرني .

لم ينزلونا مع الخرطوم الذي يعتاد الركاب النزول معه بل أنزلونا مع سلّم إلى غرفة كبيرة وأغلقوا الباب من خلفنا وصاحبي المراهق مازال على حالته يثرثر ويشتم ويستفرغ .

ذهبوا به على ما اظن إلى دورة المياة لأنه قد بلل ملابسه رأيت ذلك بعد ما سار أمامي . وأتمنى أن لا يرجعونه ليّ.

جلست على كرسي عن يمين الباب . أتى رجل من الداخل وأشار علي بالقيام .

أمتثلت الأمر . أفتتح كلامه بشتيمة . قلت على مهلك يا رجل لِمَ تشتمني . فصاح بي أصمت يا (...) قلت لن أصمت ماذا فعلت حتى تشتمني ؟ فهددني بالحبس .

وتحوّل فمه إلى منجنيق من الشتائم . ظلّيت صامت . قال لِمَ لا ترد قلت أرد على ماذا ؟ على الشتائم ؟ أنني أترفع عن هذا الخُلق ثما أني لا أعلم لِمَ أنا هنا ؟!

ألا تعرف لِمَ أنت هنا ؟ وهل تعرفوا من أنتم أصلا ؟ لا تعرفون إلا الجمال والصحراء . :قلت الصحراء لم تعلمنا الشتائم ولا الخلق الرخيص ولا سوء الأدب .

تشتمني يا أبن (...) قالها بصوت ضج المكان .

قلت : لم أشتمك وحتى لو أردت ان أشتمك لن إصل إلى عشر ماشتمت نفسك به . إن من يشتم الناس لا يشتم إلا نفسه .

سحب الكرسي ودخل إلى بوابة خلفه وتركني قائما . حاولت أن أفتح هاتفي ولكنه لا يلتقط أية أرسال . أحسست بالكأبة بالفعل أخذت بجريرة غيري ورأيت وسمعت من سوء الخلق مالم أسمع به من قبل . بعد ربع ساعة فتح الباب الداخلي ودخل منه ثلاثة رجال يحملون أوراقي الثبوتية . تلى أحدهم اسمي الرباعي المكتوب في جواز سفري وضحك قال: حتى الأسماء لديكم فائض فيها وضحك الأثنان الأخران .

قال أحدهم متهكما : أنه البترول يحصلون به على كل شيء حتى أسمائهم . فتعالى ضحكهم .

قلت : أنما أنا ضيف لديكم وليست هذه من شيم العرب مع ضيوفهم .

فصرخ أحدهم ضاحكا قال ضيف

أنما أنت ضيف البترول أرني مامعك من نقود . قال آخر نقوده معطرة بريحة البترول . وضحك الثلاثة بصوت عال .

ثما أعادوا عليّ مارواه صاحبهم السابق من رواية البدو الرحل الذين وجدوا البترول وتحولوا إلى أصحاب ثروة بين عشية وضحاها وهم لا يتجاوزون فرسن شاة .

قلت : أنا لا يعنيني شيء من هذا القول أنا قادم لهذه البلاد لأمر ما وليس لي هم في الجدليات ووجهات النظر المتبائنة ولا ضغاين النفوس .

صمت الجميع ثم أردف أحدهم أنت وصاحبك أثرتم بلبلة في الطائرة وكنتم خطرأ على الطائرة والركاب وأعتديتم على الطاقم وهذا مثبت لدينا في التقرير الذي استلمناه من الطاقم .

قلت : لدي مايثبت عكس هذا التقرير وكافة الركاب يشهدون على ذلك .

قال كيف ؟

قلت : أولا الرجل ليس بصاحبي وليس لي به علاقة لا من بعيد ولا من قريب ولم أفعل ما يخالف القوانين المرعيّة في وسائل السفر.

ثانيا : الرجل من دولة وأنا من دولة أخرى . وفي حالة ما بحثتوا في أوراقنا الثبوتية ستعلموا بأني لم أقول إلا الحقيقة .

وكل مافي الأمر أنه أستبدل مقعده بالمقعد الذي بجواري وكان صاحبه امرأة من انيوزيلندا وأوراق صعود الطائرة تثبت ذلك وليس لي يد في ما حصل من طرفه في الطائرة .

تناول الرجل جهاز نداء في حزامه وتحدث مع طرف آخر بلغة : فركفونية .

سحب أوراقي من على الطاولة التي أمامه وخرج فيما بقي الأثنان يتهامزون ويتلامزون: بكلام تفوح منه رايحة الحقد ؛ حول الصحراء والبدو الرحل والبترول .

حتى أنا ملؤني حقدا مثلم .

طلبت ماء . قال أحدهم أشرب من البترول فضحك الثاني .

ساويت حقيبتي على الأرض وافترشتها بعد ما فقدت الأحساس في مفاصلي من طول الوقوف .

قال أحدهم : لصاحبه بكلام لم أفهم منه إلا أنه شبهني بأحد الدواب . فضحك الثاني ملأ شدقيه .

دخل الرجل الذي خرج قبل قليل وقال تعال معي .

تبعته على غير هدى . فيما قادني إلى مصعد صعد بنا وعندما فتح وجدت أننا في القسم الأعلى من المطار .

وسار بنا إلى باب صغير عندما فتحه فإذا بمكتب صغير يجلس خلفه رجل يحمل رتبة عسكرية . سلّمت فلم يرد السلام وضع الرجل الذي معي أوراقي أمامه على المكتب . تناول الأوراق وقرأ اسمي وطابقه مع مافي ورقة الطائرة . حدجني بنظره ثم ناولني أوراقي . وأشار إلى الرجل أن يخلي سبيلي .

شكرته فلم يرد على شكري .

خرجت مع الرجل الذي آتى بي وأشار إلى منفذ الجوزات الذي كانت علامته بائنة ولم يعتذر عن أي شيء . لا يهم ذلك عندي بقدر ما يهم الخروج من بؤرة الحقد التي ملؤني بها .

وصلت إلى موظف الجوازات الذي ماطل معي ولم أهتدي له على قصد حتى قال لي صراحة لِمَ ماتكرمنا ؟ اندهشت في البداية ثم قلت أنني لا أمتلك إلا شيكات سياحية وبطاقة صرف . عبس في وجهي وأنجز معاملة دخولي .

خرجت إلى ساحة الحقائب وجدت حقيبتي مرمية في آخر السيب لكثر ما مرت به ولم يلتقطها أحد .

التزمت دوري في طابور التفتيش حتى وصلت إلى المفتش . كان يرمقني بنظرات غريبة ويتمتم ببعض الكلام الذي لم أفهمه أخذني على جنب وفتش القيبة وحتى التي في يدي قام بتفتيشها هي الآخرى وقال لي انتظر .

ذهب يفتش الأخرين ويمررهم بكل يسر . لاحظت أن أصحاب البشرة الشقراء والعيون الزرق يتوددون لهم ويمررونهم قبل غيرهم !.

وبعد ربع ساعة رجع لي وأعاد التفتيش في حقيبتي ! قلت يا أخي لِمَ كل هذا التعطيل ؟.

قال بنبرة جافة : أنت من يريد التعطيل أكرم أتعابنا نكرمك . تحاقرته ودسيت يدي في جيب قميصي وناولت دولارات لا أعلم عددها حتى الساعة ...


 
 توقيع : محمد السالم

حسابي في تويتر
http://twitter.com/#!/Alsalem15


رد مع اقتباس