20-05-2010, 03:01 AM
|
#891
|
|
مستشار إداري
|
بيانات اضافيه [
+
]
|
|
رقم العضوية : 1920
|
|
تاريخ التسجيل : Nov 2008
|
|
أخر زيارة : 12-05-2020 (10:29 PM)
|
|
المشاركات :
17,650 [
+
] |
|
زيارات الملف الشخصي : 73937
|
|
الدولهـ
|
|
|
لوني المفضل : Brown
|
|
حوار بين شاعرين عربي وصيني: أدونيس في مرآة يانغ ليان
الحياة - الخميس, 20 مايو 201
Related Nodes: 052002b.jpgشعراء مجلة «شعر» يحيون ذكراها في بيروت
هذا الحوار الثنائي مع الشاعر الصيني يانغ ليان المقيم في بريطانيا والشاعر أدونيس أجراه المستشرق والمترجم الصيني شوي تشينغ قوه في بكين عندما زارها أدونيس للمشاركة في الاحتفال الذي أقيم له هناك وتسلم خلاله جائزة الأدب التي فاز بها عن أعماله الشعرية المترجمة الى الصينية. وفرادة هذا الحوار تكمن في كونه مواجهة ثقافية وشعرية بين شاعر صيني يعيش في أوروبا وشاعر عربي يعيش ايضاً في أوروبا، وهو بالتالي حوار بين رؤيتين وتجربتين تختلفان وتلتقيان في آن واحد.
تربط بين الشاعرين يانغ ليان وأدونيس تجارب متشابهة الى حد ما، حيث إن كليكما يعيش في سفر دائم بين الوطن وأوروبا، وبين الشرق والغرب. فإلى أي مدى تؤثر إقامتكما في أوروبا في إبداعكما الشعري؟
- يانغ ليان: انتهيت قريباً من كتابة مقالة بعنوان: «كن الآخر اختيارياً». يرتبط هذا العنوان بمسألة مهمة، فأي شيء في عالمنا ليس «الآخر»؟ من منا لا يعيش بين «الآخر» في مستوياته العديدة؟ بالنسبة الينا كصينيين، الغرب هو الآخر بطبيعة الحال، ولكن، أليست الثقافة الصينية القديمة «الآخر» أيضاً؟ من منا يقدر أن يزعم أنه صيني اصيل؟ بل إن اللغة الصينية نفسها، أصبحت لغة أحدث من اللغة الانجليزية في أميركا نتيجة لكثرة المفردات والتعابير الدخيلة عليها، الى حد أني أسميها على سبيل المزاح «أحدث لغة قديمة». هنا يكمن مأزقنا كما تكمن طاقتنا. ولأن الآخر يحيط بنا من كل جانب فلا يمكن أن نتبع لأي طرف بل علينا أن نخلق طريقاً خاصاً بنا. وإن صح أنني أعيش في غربة عن الصين، فإني لم أغترب أبداً عن اللغة الصينية. وموقفي من هذه اللغة هو أن أعيش في داخلها وخارجها في آن واحد. أقول في داخلها لأني متمسك دائماً بالجوهر النشط لهذه الثقافة، واقول في خارجها لأن المسافة تتيح لي أن أنظر اليها بهدوء وموضوعية. وليست كلمات أوروبا والوطن والشرق والغرب إلا أسماء ذات دلالات سياحية. أن أكون الآخر اختيارياً، يعني أن أقوم بتشريح ثقافتي بهدوء وأقاوم النفاق والتزييف في هذا العالم، ويعني أن أفكر في شكل مستقل. وفي الإبداع الشعري نواجه تحدياً دقيقاً - وهو كيف نحافظ على القيمة الأدبية مع رفض النظر التبسيطي للشعر أو النظر اليه بوصفه آداة. وهذا يعني، بالنسبة لي ولأدونيس، أن نرفض بيع نفسينا في سوق المبتذلات، وأن نعود الى طبيعة الاعتزاز الشعري. وهنا يسعدني جداً أن أتعرف الى أدونيس لأنه بمثابة سلف روحي لي.
- أدونيس: ربما رأى الصديق الكبير، يانغ ليان، في إقامته في أوروبا، أشياء أخرى، غير تلك التي أراها في إقامتي. كل منا يجيء الى أوروبا من تاريخ خاص، وذاكرة خاصة، وعلاقات خاصة.
«الآخر» واحد من حيث المبدأ، بالنسبة الى كل منا. لكن هذا الآخر متعدد، بالنسبة الى «انفعال» كل منا، بثقافته، وحضوره في العالم، ورؤيته الى الحياة والانسان.
بالنسبة إليّ، تمثل لي إقامتي في باريس مناخاً ثقافياً، أفتقده في بلادي: مناخ معرفة، واستبصار، وانفتاح. مناخ «حرية حرة»، كما يعبر رامبو. هكذا أشعر كأني قريب الى «قلب» العالم، ان لم أكن أتحرك في داخله. وفي هذا ما يضعني باستمرار أمام تحد يقظ مزدوج: للغتي العربية ازاء مشكلات الانسان، ولإبداعيتي ورؤيتي، ازاء تاريخنا العربي، وازاء حاضرنا العربي. في معزل كامل عن المفهومين الشائعين: «شرق»/ «غرب»، اللذين لا ينحصران في الدلالة السياحية، كما يشير بحق، يانغ ليان، وإنما يتخطيانها كذلك الى الدلالة العسكرية والاقتصادية. لكن، ابداعياً، لا «شرق» ولا «غرب»، بل «كون» واحد، وانسان واحد.
وأتخيل، اذاً، أنني لولا هذه «الاقامة» في الغرب لما كنت كتبت ما كتبت، أو لكنت، على الأقل، كتبت في شكل آخر.
ولئن كانت معرفة الغرب، في كتبه ونظرياته، تغني «ثقافة» الانسان غير الغربي، فإن معرفته في حياته وممارساته، تدخل في تجربته الحية. وفي هذه «التجربة» ما يتيح الدخول الى «مجهول» الغرب، بطريقة لا يتيحها مجرد «الثقافة» فهي طريقة أعمق تواصلاً، وأكثر غنى ودقة.
> كلاكما يعيش في البيئة الثقافية واللغوية الأوروبية، فهل دخلت عناصر لغوية أوروبية في إبداعكما الشعري؟ وهل في شعركما توتر بين اللغة الأم واللغات الأوروبية؟ وهل يجعل الفارق بين المخيلات والصور الشرقية والغربية ابداعكما الشعري أكثر فرادة؟
- يانغ ليان: بالنسبة لي، لا تعني أوروبا اللغة فحسب، بل تعني ثقافة تجدد نفسها وتتحول باستمرار. وهي تتيح لي كشاعر صيني فرصة نادرة لكي أقارن بينها وبين ثقافتنا الصينية. وأحب هذا الإحساس بالمسافة الذي يثير في نفسي قوة الاقتراب لا قوة الابتعاد. واذا قرأت ديواني الأخير الذي ترجم الى الانكليزية، استطعت أن تقول ان الأشعار فيه تدور حول لندن، ولكن أهم من ذلك أنها أشعار تعبر عن ملاحظاتي وأحاسيسي وتأملاتي وأسلوبي في التعبير. فصورة الوزّ البري في شعري تربط بين الشعر الصيني القديم والشعر الصيني الحديث والتراث الشعري الانكليزي والأوروبي، ولكنها في الوقت نفسه تختلف عن الصور في هذه الأشعار كلها، إذ إنها صورة مبتكرة على يدي، صورة هجينة أضفت على الصور الأصلية جمالاً خاصاً.
وليست المخيلات في لغتنا وحدها هي الكنز الثمين، بل ان خصائص لغتنا الأم هي كنز كبير أيضاً. ولا شك في ان هذه الخصائص أثرت في ابداعي الشعري وجعلت تغلغلي في دائرة التاريخ أمراً حتمياً. وأظن أن نفس الشيء ينطبق على أدونيس، فكما أعرف أن الفعل في اللغة العربية يشير في حد ذاته الى الفاعل، اليست هذه اللغة مخلوقة لكي يكتب أدونيس عن «ذاته»؟ لا شك في أن هناك علاقة حتمية بين تنقله داخل اللغتين والثقافتين العربية والفرنسية وبين إنجازاته الشعرية.
- أدونيس: لم تدخل الى كتابتي عناصر لغوية أوروبية، بالمعنى الحصري لهذه العبارة، وانما دخلت عناصر تركيبية شعرية. وفي هذا ما رسخ يقيني الشعري العربي أن لغة الشعر العالية لا تنفصل عن لغة الفكر العالية، أن الشعر العظيم شكل آخر من الفكر، وأن الفكر العظيم شكل آخر من الشعر.
وكشفت لي الخبرة والممارسة، خصوصاً في ميدان الترجمة الشعرية، خصوصية اللغة العربية. فهي، شعرياً، لغة مجاز ومخيلة، مقارنة مع اللغة الفرنسية التي هي لغة منطق وتعقل. لهذا كان عليّ دائماً أن أغري من يترجمني اليها، بأن يتجرأ عليها ويرتفع بها الى مقام المجاز والمخيلة، أي الى أن يشحنها بشيء من «طاقة الجنون».
يمكن أن يأتلف البشر، شرقاً وغرباً، في ميدان الأفكار. الاختلاف هو في اللغة. والهوية هي في الاختلاف.
هل يعني ذلك أننا لا نترجم، لا نقدر أن نترجم الهوية، الا في بنيتها اللغوية الظاهرة؟
لكن تلك مسألة أخرى. وهي بالغة التعقيد.
> هل لكما اتصال واسع مع الأوساط الأدبية الرئيسة في بريطانيا أو فرنسا؟ وما رأيكما في الواقع الشعري الحالي في هذين البلدين؟
- يانغ ليان: أنا لا اتصل إلا بالشعراء الذين أحبهم سواء في بريطانيا أو في أي مكان في العالم. قد نشرت حتى الآن 13 ديواناً باللغة الانكليزية، وأتبادل على أساسها مع الشعراء النشيطين في بريطانيا اليوم، أذكر منهم William N Herbert، Pascale Petit، Robert Minhinnick، Fiona Sampson، Polly Clark، Don Paterson إلخ... وهي تبادلات روحية تغوص في العمق الشعري. وتعاونت مع هؤلاء الشعراء الذين لا يعرفون شيئاً عن اللغة الصينية في ترجمة بعض قصائدي الى الانكليزية. وفي رأيي أن عملية الترجمة التي نتناقش فيها مسائل لغوية وثقافية وحياتية وتاريخية هي أروع من الترجمة نفسها. إذا شئت أن تعرف شاعراً أجنبياً، فليس هناك أفضل سبيل اليه من ترجمة بعض قصائده الى لغتك الأم. لذا، أحببت أن أترجم أشعارهم بين حين وآخر الى اللغة الصينية لكي أعرف واقع الشعر الانكليزي. هل سمعت عن مهرجان جبل هوانغ شان الشعري في الصين؟ إنه مهرجان مكرس للتبادل الشعري بين الشعر الصيني وشعر اللغة الانكليزية.
وفي هذا الصدد، عليّ أن أعترف أيضاً ان الشعر الانكليزي المعاصر لا يمتعني بما فيه الكفاية اذا قورن بشعر ييتس وإليوت وعزرا باوند، وباختصار، لم أجد في هذا الشعر اليوم أعمالاً عظيمة بامتياز، إنما أجد فيه عدداً لا بأس به من الروائع الصغيرة. والسبب لا يرجع الى الشعر نفسه بل يرجع الى الثقافة والفكر. إن عصرنا يعاني من الأزمة الفكرية التي هي أخطر بكثير من الأزمة الاقتصادية، ولكن الشعراء الغربيين لا يشعرون بآلام ومعاناة شديدة تجاه هذه الأزمة. اذا كانت الحروب الدموية والديكتاتوريات المكروهة والسلطات الدينية الظالمة تشكل كوارث منظورة، فإن مظاهر النفعية والنفاق التي تسود عالمنا في أعقاب الحرب الباردة لهي بمثابة انفلونزا خبيثة أصابت كل واحد منا بالوهن والعجز. ما قيمة الأدب في العصر الجديد؟ هل هو مجرد زخرفة تافهة تزين هذا العالم التافه؟ يبدو أن هذا التساؤل مزعج ومقلق في الغرب «الصحيح سياسياً والغني فكرياً». وباختصار، ان المسألة هي مسألة الانسان قبل أن تكون مسألة الشعر.
- أدونيس: لا أقول إنني اعرف حقاً الشعر الانكليزي. ذلك أنني لم أقرأه الا مترجماً الى الفرنسية. لكن أقول إنني أعرف الشعر الفرنسي خصوصاً في ذرواته، وهو شعر أقدره كثيراً. وقد أفدت منه وأفيد باستمرار.
أما الشعر الذي يكتب اليوم، فهو متعدد الاتجاهات. بعضه وصفي سردي يومي متأثر باللغة الشعرية الأميركية. ولا أرى فيه ما يجذبني، خصوصاً أنه نوع من إعادة لإنتاج الواقع.
وبعضه عقلنة فنية لا أرى فيه كذلك ما يجذبني. وبعضه أخيراً يعود الى شعرية الأمكنة والترحل، وإذاًَ الى المخيلة، والى الشفوية، والى غنائية الجسد مقرونة بحضوره العاشق. وفي هذا الشعر ما يثير اهتمامي وإعجابي.
.
|
|
|
|