يتبع
> يسعى أدونيس دائماً الى إعلاء شأن العقلانية والديموقراطية، ويقف موقفاً عنيفاً من التبعية والجمود في الثقافة العربية. ويشتهر يانغ ليان أيضاً بموقفه التنويري الثابت. في عصر العولمة هذا، خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول، اصبح انتقاد العالم العربي خطاباً سائداً في الغرب، ولكني لاحظت في أعمالكما انتقاداً مزدوجاً: انتقاداً للجمود والتخلف في ثقافة اللغة الأم من ناحية وانتقاداً للهيمنة الثقافية الغربية من ناحية أخرى. فما هي الدوافع وراء هذا الانتقاد المزدوج؟ وكيف تتحقق الموضوعية والتوازن في هذا الانتقاد؟
- يانغ ليان: ان التراث الذي لا يقوم على الابداع الفردي لا يحق أن يسمى تراثاً، إنما هو ماض طويل على الأكثر. تنبع طاقة الأدب الصيني الحديث من المساءلة العميقة التي مارسها الأفراد على التراث. ان عمق هذه المساءلة الداخلية هو الذي مكننا من فهم المبدعين الخلاقين في ثقافات أخرى. لذا، أقدر أدونيس عالياً، خصوصاً أن تغيير الهيمنة الدينية التي ينتقدها هو أصعب بكثير من تغيير السياسات التي قد تزول في يوم ما. أن يكون الانسان الآخر اختيارياً يعني بضرورة أن يبقى وحيداً: ففي الداخل، إنه يزلزل الأسس التي تبنى عليها السلطة والأنظمة، وفي الوقت نفسه لن ينساق للانفعالات القومية أو الوطنية، أما في الخارج، فهو يقاوم كل أنواع التبسيط، بدءاً من الاستناد الى الخطاب الايديولوجي لتقييم الأمر، الى التعالي العقائدي أو الثقافي. علينا أن نحافظ على صرامة النقد المزدوج. في عالمنا اليوم لم يعد لخطابات الحرب الباردة رواج كبير، ولكن نُصبت فيه مرآة المصالح البحتة، ولم يعد هناك صراع الحضارات بعد 11 ايلول، إذ اختفت الصراعات واختفت معها الثقافات. هل هناك عالمان حقاً؟ خُيل لي أنه يبقى أمامنا عالم واحد فقط: عالم المال الذي يقدر أن يشتري كل شيء. اننا نعيش الآن في عصر ينفصل فيه القول والمعنى، حيث نقدر أن نقول كل شيء ولا نعني أي شيء. انها ليست مسألة صينية أو عربية، بل مأزق انساني شامل. ما العمل؟ انني كشاعر سأواجه ذلك متمسكاً بوعي جمالي صادق من دون الخضوع لأية ارادة رسمية أو مقولة شائعة، وأستخرج من هذا الوعي مقياس حكمي على كل أمر وقضية. علينا أن نواجه العولمة الأنانية والعبثية بالعولمة الشعرية والفكرية. وتذكرت أن لأدونيس كتاباً عظيماً «الثابت والمتحول»، حيث أعاد فيه النظرة الى الثقافة العربية وأضفى على مقومات هذه الثقافة أفكاراً جديدة، أفكاراً تشكل الخلفية العميقة لشعره أيضاً. ما دمنا متمسكين بالوعي الجمالي الشعري فلن يضيع التراث وسيكون الشعر هو المستفيد الأخير.
- أدونيس: أوافق تماماً على ما يقوله يانغ ليان عن التراث، وعن العلاقة بينه وبين الإبداع. وهذا النقد المزدوج ضرورة مزدوجة تفرضها علاقة الذات بتاريخها، من جهة، وعلاقتها بالآخر، من جهة ثانية.
الميل الغالب في الثقافة العربية هو النظر الى التراث بوصفه ميراثاً، ينتقل بالوراثة من السابق الى اللاحق، وهو اذاً هوية. كأن الهوية هنا، جاهزة سلفاً، يأخذها «الأبناء» مما أنجزه «الآباء».
هذا فهم بدائي ساذج لمعنى التراث الابداعي ولمعنى الهوية. كل تراث خلاق هو، أولاً، مستقبل، أو هو بداية الحاضر. والهوية، اذاً، ليست «إرثاً» أو «ماضياً»، الا
في المستوى البدائي، مستوى الغريزة. أما في المستوى الإبداعي - الإنساني الذي يميز الانسان عن الكائنات الأخرى، فالهوية إبداع متواصل. والانسان يبتكر هويته فيما يبتكر افكاره وأعماله.
هكذا ينبغي أن يكون الماضي - التراث، بالنسبة الى المبدع، موضوع مساءلة ونقد، كما يقول يانغ ليان، لا موضوع توارث، أو حفظ وتكرار. وغالباً، لا تنسجم هذه النظرة مع ثقافة المؤسسات والسلطات. وربما كانت موضع انشقاق في النظر، كما هي، في المجتمع العربي - الاسلامي، وذلك بسبب هيمنة النظرات الدينية وشبه الدينية على الثقافة والسياسة معاً.
والإبداع هنا يكون مغامرة، ويواجه كثيراً من الصعوبات إن لم أقل الأخطار.
والنقد هنا ضرورة كيانية الى جانب الإبداع. مع العلم أن الابداع في ذاته هو الشكل الأعلى من أشكال النقد.
هذا عن نقد الذات. أما عن نقد «الآخر» - فإنه تكملة ضرورية لنقد الذات. خصوصاً أن هذا «الآخر» في وجهه السياسي - العسكري - الاقتصادي، خصوصاً، هو غالباً الى جانب المؤسسات والسلطات، ضد الذات. أي أنه لا «يفكر» ولا «يعمل» الا وفقاً لخطط لا تقف عند حدود حجب الذات، وإنما تتخطاها الى تمويهها أو تشويهها أو تدمير كينونتها.
الانتماء الى ثقافة اللغة الأم
> يمتاز كل من الصين والعالم العربي بتاريخ عريق وحضارة باهرة. إنكما كشاعرين تنتميان الى ثقافة اللغة الأم انتماء نقدياً مع الحرص على إبقاء مسافة بينها وبينكما. هل ترضيكما هذه الحالة؟ أم تتحملانها عن كراهية؟
- يانغ ليان: سبق أن قلت إني لم أغترب أبداً عن اللغة الصينية. ولكن ما هي اللغة الصينية؟ هل ندرك أسرار هذه اللغة لأننا نتكلمها كل يوم؟ هل ندرك سلبياتها وايجابياتها ومغزاها في تنوير الفكر الانساني؟ ظل كثير من الكتابات الصينية القديمة «مدفون» من دون أن نعرف قيمته الحقيقية، الأمر الذي أدى الى الفقر في أدبنا المعاصر. مهما كان سبب خروجي من بلادي، فإني أشعر الآن كبحار يرصد موقع سفينته فوق السارية، أحدد موقع السفينة من خلال مناظر الجزر والتيارات والرياح. فانتبه أنني على هذه السفينة. أخلق الحوار مع نفسي من الداخل ومن الخارج في آن واحد. لذا، أرتضي بحالتي الآن، لأنها ليست غربة أبداً، فالمسافة تساعدني على الغوص في ما هو أعمق. اذا سألتني: «أين لي هذه التجربة إن لم أكن موجوداً في خارج بلادي؟» فجوابي هو: اكشف في داخلك ذلك البحر.
- أدونيس: من جهتي، ألاقي صعوبات كثيرة. لا من السلطة السياسية وحدها، ولا من السلطة الدينية، وحدها. بل أيضاً من سلطات أخرى، في بعض وسائل الإعلام العربي، «السلطات» التي يتمتع بها بعض من كتابها. ويتمتع بها كذلك بعض من المثقفين.
غير أن لي أصدقاء كثيرين. وأجد في صداقتهم قوة عظيمة أتسلح بها، متابعاً، متمسكاً بكل ما أراه في هذا المجال، حقاً لي، وواجباً عليّ.
> أعرف أن الاستاذ أدونيس صديق لإدوارد سعيد، وقلت إن إدوارد أساء استخدام مفهوم «الاستشراق» بعض الشيء لأنه لم يتعمق في فهم الثقافة العربية. ما قيمة النظرية ما بعد الاستعمار في عصر العولمة الذي نعيشه؟ وهل لها آثار سلبية في العالم العربي؟ ولا شك في أن يانغ ليان يعرف أن هذه النظرية لها تأثير واسع في الأوساط الثقافية الصينية، فكيف تقيّم قبول المثقفين الصينيين لها؟
- يانغ ليان: أترك أدونيس يجيب أولاً، وسأقول ما يلي: من حيث الأساس أرفض تعميم الشرق والغرب في مناقشتنا المشاكل، لأنه نوع آخر من التبسيط. فالفردية والاستقلالية من القيم النبيلة في كل العالم، ومن الشروط الأساسية لانبعاث أي ثقافة. ولا تنسَ كم كان كونفوشيوس ولاو تسي وأمثالهما يتمسكون بذواتهم! أوافق أدونيس في دعوته الى فهم عميق لجذور ثقافاتنا الشرقية، لأننا سنجد فيها قوة محركة داخلية لتحقيق التحول الثقافي. إن اعجاب المثقفين الصينيين بنظرية ما بعد الاستعمار كإعجابهم بكل مقولة سائدة جديدة، يكشف في جوهره عن عدم الثقة بالنفس وفقدان قدرة الحكم. هل الصين اليوم هي شرقية أم غربية؟ أم إنها لا شرقية ولا غربية؟ أم إنها مزيج من سلبيات الشرق والغرب؟ وفي رأيي، إن في داخل كل انسان ما هو شرقي وما هو غربي، لأنه يمثل حالة من المركب الثقافي. هل هذا المركب هو ايجابي وصالح؟ هذه هي المسألة.
- أدونيس: لم أكن دائماً متفقاً مع الصديق الكبير ادوارد سعيد، في نظرية «الاستشراق»، لالتباسها، في ما يتعلق بطابعها التعميمي، من جهة، ولأنني من جهة ثانية كنت أرى، أحياناً في تحليلاته البارعة، مسبقاً سياسياً يحتاج الى كثير من المناقشة والاستقصاء.
مع ذلك أحدث صدمة كبيرة خلقت بدورها ضرورة ملحة، هي إعادة النظر في «الاستشراق» جذرياً وعلى نحو شامل.
> ما آثار النقد الأدبي ما بعد الحداثة في الابداع الأدبي؟
- يانغ ليان: تقسيم الأزمنة الى الحداثة وما بعد الحداثة يعني اتخاذ الثقافة الغربية إحداثياً. ولكن المسألة هي أن الأدب سيبقى هو هو بعد كل الأزمنة. وستبقى هناك علاقة عميقة بين حياة الانسان والأدب. وستظل مقولة «الأدب يعني الانسانية» صحيحة الى الأبد. ما أعارضه في النظرية ما بعد الحداثة هو رفضها العمق، ما أفسد جوهر الأدب وجعله أقرب الى ألعاب عبثية. يستطيع الكاتب أن يتلاعب بالسياسة والفن والسوق فيصبح غنياً أو يحقق شهرة، ولكن أعماله ستكشف عن قيمته الحقيقية. لا يمكنه أن يخدع ذوي البصيرة بتفاهة المعنى وابتذال الشكل. ان التحول الثقافي الذي تمر به الصين الآن هو شيء ملحمي ويتغلغل في كل شريان حياتنا. وليست لتساؤلاتنا أجوبة جاهزة، بل علينا أن نأخذ من كل الثقافات - صينية كانت أم أجنبية، قديمة كانت أم حديثة، موارد فكرية وجمالية تفيدنا. ولكن يجب ألا يكون هذا الأخذ بعيداً من العمق، عليه أن يغوص في العمق.
- أدونيس: أتفق هنا مع ما يقوله يانغ ليان عن نظرية أو نظريات ما بعد الحداثة، ملحاً مثله على أن الابداع لا يقوّم بالمرحلة، سواء سميت «حداثة» أو «ما بعد الحداثة». فكلتاهما تقوّم بالإبداع، وليس العكس.
لا يؤطر الابداع إلا بإبداعيته ذاتها: بكونه مفتوحاً، ولا يستنفد. الابداع ابداع ولا يوصف بالحداثة أو ما بعد الحداثة، الا من حيث «زمنيته». والابداع يتخطى «الزمن» الذي نشأ فيه. الحداثة وما بعد الحداثة صفتان لاحقتان وليستا قيمة في ذاتهما. هناك أدب سمي «حديثاً» لا قيمة له. وهناك أدب يكتب اليوم باسم ما بعد الحداثة، لا قيمة له هو كذلك. هذا التصنيف النقدي التبسيطي، لا يعني أكثر من كونه تبسيطاً. فقيمة العمل الفني ليس، حصراً، في كونه يمثل «الحداثة» أو «ما بعد الحداثة»، بل في كونه ابداعاً متميزاً. الشعر انبثاق. وفي هذا الانبثاق تتلاقى الابداعات كلها، في مختلف العصور، وفيما وراءها، في أوركسترا كونية أو في محيط من الانبثاقات، المختلفة المؤتلفة.
|