عرض مشاركة واحدة
قديم 25-06-2010, 10:23 PM   #1022
محمد بلال
مستشار إداري


الصورة الرمزية محمد بلال
محمد بلال غير متصل

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1920
 تاريخ التسجيل :  Nov 2008
 أخر زيارة : 12-05-2020 (10:29 PM)
 المشاركات : 17,650 [ + ]
 زيارات الملف الشخصي : 74230
 الدولهـ
Saudi Arabia
لوني المفضل : Brown


الشاعر يحمل مصباحه ويغدق من زيت القلب كي لا يتوقف الضوء

لو نسينا الإبداع لحظة، وعدنا إلى همومنا الشعرية، لسألكتم.. عم نكتب أيها الشعراء في هذا الزمن العربي الرديء المضاد للشعر والشعراء؟ فما أصعب أن نكون شعراء في الأعوام الأولى من القرن الحادي والعشرين. كان الشعراء يموتون عشقاً، فأصبحوا يموتون من الضجر أو الملاحقة والاعتقال والقتل حد التشفي! كانوا فرساناً يقفون في خطوط التماس والنار، يصنعون المعارك ويكتبون شعر الحماسة، أصبحوا مثل الآخرين يتابعون الأخبار على شاشة التلفاز أو يعملون موظفين في الصحف. من منا لم يخن الشعر بطريقة أو بأخرى، فكيف لا يخوننا الشعر بدوره؟ وكيف لا يغادرنا الشعراء واحداً واحداً في هذا الزمن المضاد للشعر.

غادر الشعراء أوطانهم مكرهين مثلما حدث في العراق، صوب جغرافيات أخرى قد لا يلائمهم هواؤها فيمتد بهم العمر حتى يبلغوا من الإبداع عتياً وقد لا يلائمهم فإذا هم مصابيح معطلة على أرصفة الغربة.
غادر الشعراء قصائدهم أحياناً صوب أجناس أخرى قد يسلس لهم قيادها فيطلون علينا من غير ما قمة وقد تحرن مطاياهم الجديدة غير بعيد عن السفح.
فقد جعل يؤاخي بين الأجنحة كافة، من جناح البعوضة حتى جناح الرخ في سعي عنيد منه لإعادة تركيب ولو جزءاً صغيراً من المرآة عسى أن يكون الجزء حيث عين الحقيقة، العين المسمولة وهي تحدق بشماتة في شتى أنحاء العالم.
غادر الشعراء الكبار والشعراء الدجار، غادر الشعراء الصعاليك والشعراء المماليك، وغادر الشعراء الشعراء...
منهم من عرف الدار بعد توهم وحارب من أجلها بكلمته المقاتلة، ومنهم من عرف الوهم دون تردد، ومنهم من ضيع الطريق الوحيد إلى عقره.
لا غرابة إذاً إن جاءت قصيدته شعثاء مثل كومة من الريش ولا غرابة إن استعارت بعضاً من أصوات الغابة.
العالم غزير الضوء، والشاعر لا يزال يحمل مصباحه ويغدق عليه من زيت القلب كيلا يتوقف وجيب الضوء، تلك طريقته في التوجس من هذا السطوع العظيم، فقد رأى فيما يرى الشاعر أن العالم سيصاب بسكتة ضوئية مفاجئة ترديه جثة حالكة ساعتها سيظهر الوجه الحقيقي للخوف من مرآة الظلام الكبير ولا أحد غيره وبفضل مصباحه النادر الذي يذرف أجنة الضوء سينعم برؤية الوجه البهي، ذلك الوجه الذي يشبه تماماً عين الحقيقة.
مات عنترة مذ لم تعد لنا سيوف تذكره بثغر عبلة، ومات أبو فراس الحمداني مذ أصبح (عصي الدمع) والحبر معاً يوم اكتشف أن النساء لا يعشقن كل هذا العذاب وأن لا أحد يموت (ظمآن) في هذا العصر.
مات المتنبي، يوم مات (سيف الدولة) وبحث عبثاً عن حاكم عربي آخر يستحق المدح فلم يجده، وانتحر أبو نواس وهو يبتلع زجاجته الأخيرة ويكتشف بدوره أن القضية أكثر تعقيداً مما كان يتصور وأن الخمرة لم تعد (داءه ولا دواءه).
مات امرؤ القيس بعد ما بكى طويلاً (كعادته) واكتشف أن فاطم لم تعد جميلة في زمن الماكياج والأثواب القصيرة وأنها لم تعد اليوم المرأة التي يصعب العثور عليها (بين الدخول فحومل) بعدما وصلت سيارات (الكاديلاك) و(الروز رايز) إلى كل خيمة عربية، كم من الشعراء انتحروا مذ أصبحنا بلا حبر.
فماذا تكتبون أيها الشعراء وماذا عسى الشاعرات يكتبن؟ ليس هذا زمناً للخنساء ولا لرابعة العدوية ولا لولادة بنت المستكفي.
منذ أصبح كل عربي مشروع شهيد وكل شهيد اسمه صخر ضيعت الخنساء قبر أخيها ولم تعد تتقن الرثاء.
قلبنا يمضي لأولئك الذين يكتبون في تشردهم وحصارهم قصائد الصمت المكابر.. في العراق وفلسطين والجولان وجنوب لبنان والصومال ودنيا العرب.
أنتم الذين ستموتون في حادثة حب أو حادثة شعر يا آخر سلالة بوشكين ولوركا وأمل دنقل وخليل حاوي وأبي القاسم الشابي ومعين بسيسو.
أنتم الذين ستموتون ككل المبدعين بالذبحات القلبية، بالرصاص، وبأمراض هذا العصر فالشعراء فراشات لا تعمر طويلاً.
تعلموا كيف تفتخرون مسبقاً بنهايتكم...
افتخار المفتخرين بتفاهتهم...
افتخار الأقوياء بجرائمهم...
افتخار اللصوص بغنائمهم...
افتخار الوصوليين بمغانمهم...
وكان الله في عون الشعراء في محنة هذا العصر العربي الرديء.



رحيم هادي الشمخي - صحيفة الوطن


 
 توقيع : محمد بلال






رد مع اقتباس