ومن كيده: أنه يحسن إلى أرباب التخلي والزهد والرياضة العمل بها جسهم وواقعهم دون تحكيم أمر الشارع ويقولون: (القلب إذا كان محفوظا مع الله كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطأ)، وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم، فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية وشيطانية ونفسانية كالرؤيا، فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما بلغ، فمعه شيطانه ونفسه لا يفارقانه إلى الموت، والشيطان يجري منه مجرى الدم، والعصمة إنما هي للرسل صلوات الله وسلامه عليهم الذين هم وسائط بين الله عز وجل وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، ومن عداهم يصيب ويخطىء، وليس بحجة على الخلق.
وقد كان سيد المحدثين الملهمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول الشيء فيرده عليه من هو دونه، فيتبين له الخطأ، فيرجع إليه، وكان يعرض هواجسه وخواطره على الكتاب والسنة، ولا يلتفت إليها ولا يحكم بها ولا يعمل بها.
وهؤلاء الجهال يرى احدهم ادنى شئ فيحكّم هواجسه وخواطره على الكتاب والسنه ولا يلتفت اليهما ويقول حدثني قلبي عن ربي , ونحن اخذنا عن الحي الذي لايموت وانتم اخذتم عن الوسائط ونحن اخذنا بالحقائق وانتم اتبعتم الرسوم وامثال ذلك من الكلام الذي هو كفر والحاد وغاية صاحبه ان يكون جاهلا يُعذر بجهله حتى قيل لبعض هؤلاء : الا تذهب فتسمع الحديث من عبدالرزاق؟ فقال : مايصنعُ بالسماع من عبدالرزاق من يسمع من الملك الخلاق ؟!
وهذا غاية الجهل فإن الذي سمع من الملك الخلاق موسى بن عمران كليم الرحمن وأما هذا وأمثاله فلم يحصل لهم السماع من بعض ورثة الرسول وهو يدعي أنه يسمع الخطاب من مرسله فيستغني به عن ظاهر العلم ولعل الذي يخاطبهم هو الشيطان أو نفسه الجاهلة أو هما مجتمعين ومنفردين ومن ظن أنه يستغني عما جاء به الرسول بما يلقى في قلبه من الخواطر والهواجس فهو من أعظم الناس كفرا وكذلك إن ظن أنه يكتفي بهذا تارة وبهذا تارة فما يلقي في القلوب لا عبرة به ولا التفات إليه إن لم يعرض على ما جاء به الرسول ويشهد له بالموافقة وإلا فهو من إلقاء النفس والشيطان
وقد سئل عبد الله بن مسعود عن مسئلة المفوضة شهرا فقال بعد الشهر: أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله برىء منه ورسوله وكتب كاتب لعمر رضي الله عنه بين يديه: هذا ما أرى الله عمر فقال: لا امحه واكتب: هذا ما رأى عمر
فصل من كتاب اغاثة اللهفان من مصائد الشيطان
|